محتوى المقالة الرئيسية

الملخص

باديء ذي بدء لابد من التنويه لحقيقة واضحة سيتعرف عليها القاريء عند تصفحه لهذا البحث وهي ندرة او شحة المصادر التي تبحث في موضوع جريمة الاضرار العمدي باموال الدولة وهذا في الفقه العراقي حصرا. اما في الفقه المصري فقد اشبعت هذه الجريمة بحثا.


ان اهمية دراسة احكام هذه الجريمة لها اسباب عديدة من بينها انها من جرائم الصفة، فلابد ان يكون الجاني فيها موظفا عاما او من في حكمه اذ انها من جرائم الاخلال بواجبات الوظيفة العامة، حيث ان الوظيفة العامة هي امانة مقدسة وخدمة اجتماعية[1]. كذلك فانها من الجرائم التي هدف المشرع من وراء تجريم السلوك فيها حماية اموال الدولة تلك الاموال التي لها حرمة خاصة، وحمايتها واجب على كل مواطن[2]. والموظف هو مواطن اولا لذلك يقع عليه واجب المحافظة على اموال الدولة، اذ ان صفته الثانية (موظف عام) لاتحجب صفته الاولى.


كما ان من اولى واجبات الموظف العام هو المحافظة على اموال الدولة[3] التي في حوزته او تحت تصرفه واستخدامها بصورة رشيدة لذلك فسلوك الموظف الذي يضر باموال الدولة ينطوي على خطورة تستوجب معاقبته بشدة والحقيقة ان جنس الدولة من جنس موظفيها، تسمو بسموهم وزتنحط بانحطاطهم وهي كشخص معنوي تباشر وظيفتها بوسيلتهم وعن طريقهم فهم الذين يعتبرون عقلها المدبر وقلبها النابض. وان وجود المال في يد الدولة قوة لها، لذلك وجبت المحافظ عليه ووضعه في الايدي الامينة التي تصونه وترعاه. وهذا يتم من خلال تجريم أي سلوك من شأنه الاضرار باموال الدولة من قبل الموظف العام او من في حكمه بل اكثر من ذلك، اذ اعتبرت هذه الجريمة "قضية فساد"[4]، اذ ان الاسراف حتى ولو لم تتبعه استفادة شخصية هو نوع من الانحراف، هذا بالاضافة الى ان بعض اساتذة القانون الجنائي[5] في العراق ونحن نتفق معهم في الرأي يعتبرها من جرائم الفساد الاداري. وذلك لان الفساد الاداري يشمل كل فعل من شأنه المساس باخلاقيات العمل الاداري. وقد قيلت عدة اراء فقهية في تبرير تجريم افعال الاضرار بالمال العام فمنهم من يرى ان اضرار الموظف بالاموال او المصالح المعهودة اليه ينبغي الا يمر دون عقاب جزائي رادع، لانه اخل بواجبه في رعاية المصالح المعهودة اليه والتي ينبغي ان يكون حريصا عليها حرصه على ماله ومصلحته الشخصية[6]. ويرى  البعض ان الحكمة من التجريم وتغليظ العقاب هي لما ينطوي عليه فعل الموظف من الاخلال بواجب الامانة والولاء الخاص للجهة التي يعمل بها بالعدوان على مالها او على مال جهة اخرى تقتضي اعمال وظيفته ان يتصل بها[7].


مما تقدم يتبين لنا ان جميع هذه الاراء الفقهية، تُجمع، على ان علة التجريم هي حماية المصلحة العامة من خلال تجريم أي اعتداء على المال العام، فإضرار الموظف العام باموال الدولة ومصالحها يمثل اخلالاً بواجبات وظيفته في المحافظة على اموال الدولة اياً كانت صورة هذا الإضرار (تخريب او اتلاف او اهدار للمال العام) فسلوك الموظف العام او المكلف بخدمة عامة ينطوي على خطورة تستوجب تشديد العقاب عليه. إذاً لحماية المال العام لابد من التأكيد على امانة ونزاهة الايدي التي تصونه وترعاه وهم الموظفون العموميون او من في حكمهم. وهذا يتم من خلال تجريم أي سلوك من شأنه الاضرار بالمال العام وخاصة اذا كان هذا الاضرار اضراراً عمديا[8]. مع ان الاضرار غير العمدي بالمال العام ايضا مجرم وفقا للقانون، المادة (341) من قانون العقوبات العراقي النافذ، وستكون دراستنا لهذا البحث مقسمة الى فصلين، نتناول في الفصل الاول: الاركان العامة للجريمة. وفي الفصل الثاني: نتناول عقوبة الجريمة والتطبيقات القضائية. ثم الخاتمة التي وضحنا فيها النتائج التي توصلنا اليها والمقترحات.


 


 


 


[1]  د. ماهر صالح علاوي، مباديء القانون الاداري، دراسة مقارنة، دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 1996، ص 102.


[2]  المادة (27/ اولا) من دستور العراق لسنة 2005.


[3]  انظر: المادة (4/6) من قانون انضباط الدولة والقطاع العام رقم (14) لسنة 1991 المعدل؛ وانظر ايضا: المادة (5/8) التي تحظر على الموظف العبث بالمشروع او اتلاف آلاته او المواد الاولية او الادوات واللوازم.


[4]  الامر (55) لسنة 2004 (الخاص بتشكيل مفوضية النزاهة العامة في العراق)، القسم/2، المادة (4/2)، منشور في الوقائع العراقية، العدد (3981) في 27/1/2004.


[5]  أ.د. جمال ابراهيم الحيدري، النماذج القانونية للفساد الاداري، مجلة دراسات قانونية، العدد (20) لسنة 2007، ص 32.


[6]  د. عمر السعيد رمضان، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة، 1986، ص 86.


[7]  د. عوض محمد، مصدر سابق، ص 145، وهو ذات رأي د. محمود نجيب حسني اذ يرى ان علة التجريم هي لما ينطوي عليه اخلال الموظف بالأنانة التي يحملها، وهي امانة المحافظة على الاموال العامة والمصالح اذ الاصل ان كل شخص ملزم بالمحافظة على المال العام، والغالب ان يقع اضراره العمدي به تحت طائلة العقاب، فاذا صدر الفعل من موظف وضعت فيه ثقة خاصة من اجل ذلك، فسلوكه من الخطورة بما يقتضي العقاب المشدد والذيب قرره الشارع لهذه الجريمة. د. محمود نجيب حسني، قانون العقوبات، القسم الخاص، دار النهضة العربية، القاهرة، 1988،ص 134؛ وانظر ايضا في ذات المعنى: علاء يوسف اليعقوبي، حماية الاموال العامة في القانون الاداري، دراسة مقارنة، مع تفصيل معمق في حماية الاموال العامة في العراق، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية القانون ـ جامعة بغداد، 1977، ص 273.


[8]  لقد خلت نصوص قانون العقوبات البغدادي عند صدوره من نص يجرم افعال الاضرار العمدي، الا ان تعديلا طرأ على قانون العقوبات البغدادي في عام 1966 حيث صدر القانون رقم (81) في 13/9/1966 (قانون تعديل قانون العقوبات البغدادي)، منشور في الوقائع العراقية رقم العدد (1317) في 20/9/1966 والذي نصت المادة (3) منه على ان تضاف المادة التالية الى القانون ويكون رقمها (108/ أ) ونصها كما يلي:


(كل موظف عمومي وكل شخص مكلف بخدمة عامة احدث ضررا باموال الدولة التي يعمل بها او يتصل بها بحكم وظيفته او خدمته او باموال الافراد المعهود بها اليه يعاقب بالاشغال الشاقة مدة عشر سنين اذا كان الضرر جسيما، والحبس لمدة لاتزيد على ثلاث سنوات اذا كان الضررغير جسيم، ويحكم في الحالتين بغرامة مساوية لقيمة الضرر الذي حصل على ان لاتقل بأي حال عن مائة دينار في الحالة الاولى وخمسين دينارا في الحالة الثانية).


ولقد جاء في الاسباب الموجبة لتشريع هذا القانون: "ولما كان تعمد الاضرار باموال الدولة العامة لايقل خطورة عن اختلاسها او ادخالها في الذمة بغي حق، فقد استحدثت مادة جديدة برقم (108/ أ) لخلو القانون من ذلك.


والعقاب واجب بمقتضى هذه المادة ولو لم يترتب على الجريمة نفع شخصي وقد جعلت العقوبة متدرجة مع درجة جسامة الخطأ والضرر.


اما قانون العقوبات العراقي النافذ فقد تضمن وفي الكتاب الثاني منه (الجرائم المضرة بالمصلحة العامة)، وفي الباب السادس (الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة)، في الفصل الثالث من هذا الباب (تجاوز الموظفين حدود وظائفهم) النص على جريمة الاضرار العمدي باموال الدولة والمصالح التابعة لها. اذ نصت المادة (340) من قانون العقوبات النافذ على انه:


(يعاقب بالسجن مدة لاتزيد عن سبع سنوات او بالحبس، كل موظف او مكلف بخدمة عامة احدث عمدا ضررا باموال او مصالح الجهة التي يعمل فيها او يتصل بها بحكم وظيفته او باموال الاشخاص المعهود بها اليه). وهو النص النافذ حاليا.


وفي عام 2004 حدث تطور تشريعي مهم اذ اعتبرت هذه المادة "قضية فساد" وذلك بموجب الامر (55) الخاص بتشكيل مفوضية النزاهة العامة والصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة، وجاء في القسم (2/4/ب) من هذا الامر: (تعني عبارة قضية فساد قضية جنائية تتعلق بحالة يشتبه ان تنطوي على خرق نص مايلي الفقرات (322 ـ 341)، الفصل الثالث من قانون العقوبات المتعلق بتجاوز الموظفين حدود وظائفهم).                                                                                


اذ اعتبرت المادة (340) قضية فساد وهي دعوى جنائية يجري التحقيق فيها بشأن جريمة الاضرار. فالدعوى الجنائية التي يجري التحقيق فيها في جريمة المادة (340) يطلق عليها قضية فساد، ووفقا = = لما قرره القسم الثاني من قانون المفوضية. فاذا علمنا ان هدف انشاء هيئة النزاهة هو مكافحة الفساد، عندئذ يتبين لنا ان المادة (340) هي محور عمل هيئة النزاهة.


اما في مصر فلم يعرف التشريع المصري نصا مماثلا للجريمة موضوع البحث وذلك في قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة 1937 والتعديلات اللاحقة على هذا القانون حتى صدور قانون رقم (120) لسنة 1962 المعدل لقانون العقوبات السالف الذكر. فقد استحدث هذا القانون عددا من المواد من بينها المادة (116 مكرر/ أ) وذلك ضمن الكتاب الثاني (الجنايات والجنح المضرة بالمصلحة العمومية وبيان عقوبتها)، وفي الباب الرابع منه (اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر) والتي نصت على انه:


(كل موظف عمومي احدث عمدا ضررا باموال او مصالح الجهة التي يعمل بها او يتصل بها بحكم وظيفته او باموال الافراد ومصالحهم المعهود بها اليه، يعاقب بالسجن مدة لاتزيد على سبع سنين وبغرامة لاتقل عن مائة جنيه ولاتجاوز ألف جنيه. فاذا كان الضرر الذي ترتب على فعله غير جسيم، جاز الحكم عليه بدلا من العقوبات السابقة بالحبس مدة لاتزيد على خمس سنوات وبغرامة لاتجاز خمسمائة جنيه او باحدى هاتين العقوبتيت. وتكون العقوبة السجن وغرامة لاتقل عن مائتي جنيه ولاتجاوز ألفي جنيه اذا تررتب على الجريمة اضرار بمركز البلاد الاقتصادي او بمصلحة قومية). وجاء في المذكرة الايضاحية لهذا القانون: (استحدثت المادة (116 مكرر/ أ) لمواجهة حالة الموظف الذي يضر عمدا باموال او مصالح الجهة التي يعمل فيها او يتصل بها بحكم وظيفته او باموال الافراد او مصالحهم المعهود بها اليه ولم لم يترتب على الجريمة أي نفع شخصي). ثم عدل هذا النص  بموجب القانون رقم (63) لسنة 1975 الذي الغى نص المادة (116 مكرر/ أ ) واحل محله نص المادة (116 مكرر) والذي جاء فيها:


(كل موظف عام اضر عمدا باموال او مصالح الجهة التي يعمل بها او يتصل بها بحكم عمله او باموال الغير او مصالحهم المعهود بها الى تلك الجهة، يعاقب بالاشغال الشاقة المؤقتة، فاذا كان الضرر الذي ترتب عل فعله غير جسيم جاز الحكم عليه بالسجن).


ثم حلت عبارة "السجن المشدد" محل عبارة "الاشغال الشاقة المؤقتة" في هذه المادة بموجب القانون رقم (95) لسنة 2003.

تفاصيل المقالة