محتوى المقالة الرئيسية
الملخص
ان الحق في الخصوصية عميق الجذور من الناحية التاريخية ففي الكتب السماوية العديد من الاشارات للخصوصية تنطوي على الاعتراف بحماية الشخص من ان يكون مراقبا، وتوجد هناك ثمة حماية للحق في الخصوصية في الشرائع اليونانية والصينية القديمة وقد جاء القرآن الكريم[1]صريحاً، في حماية السرية وفي منع انشطة التجسس وكذلك في حماية المساكن من الدخول دون اذن. اما بالنسبة للتشريعات فأن الدول الغربية قد اقرت جوانب من حماية الخصوصية منذ مئات السنين ففي عان 1361 تم تشريع قانون في بريطانيا يمنع اختلاس النظر واستراق السمع ويعاقب عليها بالحبس. وفي عام 1765 اصدر اللورد البريطاني (Camden) قراره بعدم جواز تفتيش منزل وضبط اوراق فيه[2]. وقد طورت دول عديدة حماية الحق في الخصوصية بعد هذا التاريخ، ففي عام 1776 سن البرلمان السويدي قانون الوصول الى السجلات العامة والذي الزم كافة الجهات الحكومية التي لديها معلومات ان تستخدمها لاهداف مشروعة. وفي عام 1858 منعت فرنسا نشر الحقائق الخاصة وفرضت عقاباً على المخالفين، اما قانون العقوبات النرويجي فقد منع في عام 1889 نشر المعلومات الخاصة التي تتعلق بالشخصية والاوضاع الخاصة. وفي عام 1890 كتب محاميان امريكيان Samul Warrrend and Louis Brandeis مقالا، عن حماية الحق في الخصوصية باعتبار الاعتداء عليها من قبيل الفعل الضار ووصف الخصوصية بانها الحق في ترك الشخص وحيداً، وقد انتشر هذا المفهوم في الولايات المتحدة الامريكية كجزء من القانون العام. وفي العصر الحديث فان مفهوم الحق في الخصوصية ظهر في الاعلان العالمي لحقوق الانسان في عام 1948 والذي كفل حماية الاماكن والاتصالات. وهناك العديد من اتفاقيات حقوق الانسان العالمية اعترفت بالحق في الخصوصية كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) واتفاقية الامم المتحدة للعمال والمهاجرين والتفاقية الامم المتحدة لحماية الطفولة وغيرها. اما على المستوى الاقليمي فهناك العديد من التفاقيات الدولية قد اعترفت بالحق في الخصوصية ونظمت قواعد حمايته كما هو الحال في الاتفاقية الاوربية لحماية حقوق الانسان والحريات الاساسية (روما لعام 1950)[3] وهذه الاتفاقية قد انشأت المفوضية الاوربية لحقوق الانسان والمحكمة الاوربية لحقوق الانسان لمراقبة تطبيقها وكلاهما كان نشطا، في تطبيق وحماية الحق في الخصوصية وضيّق من نطاق الاستثناءات على حكم المادة الثامنة وماتقرره من حماية، وفي هذا الشأن فأن المفوضية الاوربية لحقوق الانسان قالت عام 1976: (ان الحق في احترام الحياة الخاصة هو الحق في الخصوصية، الحق في الحياة الخاصة الى المدى الذي يتمناه الانسان والحق في الحماية من العالمية). ووفقاً لرأي اللجنة فأن الحق في احترام الحياة الخاصة لاينتهي هنا بل يمتد الى الحق في تأسيس وتطوير العلاقات مع الاشخاص الآخرين. وهناك اتفاقيات اقليمية اخرى، بدأت تنص وبوضوح على حماية الخصوصية كالمادة (11) من الاتفاقية الامريكية لحقوق الانسان التي جاء نصها مطابقا، تقريبا للنص المقرر في الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
لقد تطور الحق في الخصوصية وحماية البيانات في الستينيات والسبعينيات نتيجة للتأثر بتقنية المعلومات وسبب القوى الرقابية المحتملة لانظة الكمبيوتر التي استوجبت وضع قواعد معينة تحكم جمع ومعالجة البيانات الخاصة، وفي هذا الميدان فأن اول معالجة تشريعية لحماية البيانات كان عام 1970 في هيس بالمانيا والذي تبعه سن اول قانون وطني متكامل في السويد عام 1973 ثم الولايات المتحدة عام 1974 ثم المانيا على المستوى الفيدرالي عام 1977 ثم فرنسا عام 1978 وفي عام 1981 وضع الاتحاد الاوربي اتفاقية حماية الافراد من مخاطر المعالجة الآلية للبيانات الشخصية، ووضعت كذلك منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية دليلاً ارشادياً، لحماية الخصوصية ونقل البيانات الخاصة، والذي قرر مجموعة قواعد تحكم عمليات المعالجة الالكترونية للبيانات وهذه القواعد تصف البيانات والمعلومات الشخصية على انها معطيات تتوافر لها الحماية في كل مرحلة من مراحل الجمع والتخزين والمعالجة والنشر. ومفهوم حماية البيانات في المواثيق المتقدمة والقوانين يتطلب ان تكون البيانات الشخصية:
- قد تم الحصول عليها بطريق مشروع وقانوني.
- تستخدم للغرض الاصلي المعلن والمحدد.
- تتصل بالغرض المقصود من الجمع ولاتتجاوزه ومحصورة بذلك.
- صحيحة وتخضع لعمليات التحديث والتصحيح.
- يتوفر حق الوصول اليها.
- تحفظ سرية وتحمي سريتها.
- تُدَمَّر بعد استنفاذ الغرض من جمعها.
وقد اثرت الاتفاقية الاوربية دليل منظمة التعاون الاقتصادي تأثيراً كبيراً، وبشكل ادى الى وضع تشريعات في مختلف دول العالم، وقد وقعت مما يقارب (30) دولة على الاتفاقية الاوربية وكثير من الدول تخطط للانضمام اليها كما استخدم دليل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشكل واسع وتأثرت به العديد من التشريعات الوطنية حتى خارج اطار الدول الاعضاء في هذه المنظمة. وعلى ضوء ماتقدم ان الحديث عن الخصوصية وحماية البيانات يقتضي بنا التطرق الى التعريف بالحق في الخصوصية اولاً: وبيان اثر تقنية المعلومات على الحياة الخاصة. ثانياً: ثم بيان الجهود الدولية والاقليمية لحماية الخصوصية المعلوماتية. ثالثاً واخيراًك التطرق الى التدابير التشريعية لحماية الخصوصية المعلوماتية. وسوف نفرد لكل فقرة مذكورة اعلاه مبحثاً مستقلاً وكما يأتي:
[1] ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* [ {النور/27} ]........ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا.........*[{الحجرات/12}
[2] فقد نصت المادة (12) من الاعلان العالمي على انه: (لايعض احد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة او اسرته او مسكنه او مراسلاته او لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل او تلك الحملات).
[3] حيث قررت في المادة (8) منه: (1- لكل انسان الحق في احترام حرمة حياته الخاصة ومنزله ومراسلاته. 2- يمنع تدخل السلطة العامة في ممارسة الانسان لحقه المذكور الا في الاحوال التي يبينها القانون، وفي حالة حماية الامن القومي للمجتمع الديمقراطي، او لحماية سلامة الناس او للمصلحة الاقتصادية او لمنع حالات الفوضى او ارتكاب الجرائم، او لحفظ الصحة والاخلاق العامة، او لحماية ورعاية حقوق وحريات الاخرين).
