محتوى المقالة الرئيسية

الملخص

شهد العالم عمليات اضطهاد واسعة النطاق للسكان المدنيين في مراحل متعددة في تاريخه الطويل، كان أكثرها إيلاماً ما شهده العصر الحديث أثناء النزاعات المسلحة والتي أثرت تأثيراً مباشراً على الطبيعة السكانية للعالم بأسره.


       والاضطهاد العنصري وما ينتج عنه من قهر وتنكيل وسلب إرادة الشعوب والجماعات وهوياتها الثقافية وتكريس مشاريع الهيمنة والاستبداد له أسباب عديدة. ففضلاً عن الأنشطة الاستعمارية وما ينتج عن تلك الأنشطة من تغييراً ديموجرافياً أثنياً وقبلياً وثقافياً ودينياً بما في ذلك عمليات تقسيم الحدود دون مراعاة التجانس السكاني وعمليات الاستيطان على حساب السكان الأصليين وعمليات التبشير بين سكان العديد من الدول، ومحاباة الاستعماريين لبعض الفئات من السكان الأصليين على حساب الفئات الأخرى مما أنتج هيمنة اقتصادية للفئة الموالية للاستعمار. هناك أسباب تاريخية ودينية قديمة موروثة إنسانياً نتجت عنها جرائم أخرى شنيعة يمكن أن توصف بأنها جرائم اضطهاد عنصري وفي مقدمتها جرائم إبادة ما يزيد عن خمسين مليون من السكان الأصليين (الهنود الحمر) في الولايات المتحدة الأمريكية عند بداية الاستيطان الأوربي هناك، وجرائم البيض الأمريكان ضد السكان الأفارقة الذي تم اختطافهم من دولهم الأصلية واسترقاقهم، والمحارق والإبادة ضد اليهود في أوربا وقتل ما يزيد عن سبعة ملايين يهودي في ألمانيا النازية أو في إسبانيا (محاكم التفتيش) الأمر الذي ينفي صفة التفرد الألماني بقتل اليهود جماعياً، وطرد وعزل السكان الأصليين وقتلهم على يد اليهود في فلسطين وعمليات مماثلة في جنوب أفريقيا وروديسيا (زيمباوي)، والمذابح التي حدثت ضد الأرمن في تركيا في العهد العثماني وراح ضحيتها عشرات المئات، والمذابح التي وقعت ضد مسلمي البوسنة والهرسك في يوغسلافيا السابقة والتي وقعت بأيدي مجرمي الصرب وراح ضحيتها عشرات الألوف من السكان المدنيين، والمذابح التي وقعت في راوندا وبوروندي والكونغو بين قبائل التوتسي ضد قبائل الهوتو وراح ضحيتها أكثر من مليوني مواطن أفريقي، وتعرض القبائل الأفريقية مثل قبائل الطوارق للتشتت بين عدة دول مما تسبب في مشاكل عديدة في كل من مالي والنيجر وليبيا والمغرب والجزائر، والمذابح التي وقعت ضد الأكراد في العراق والتي تقع الآن ضد أبناء الشعب العراقي وغيرها من الدول.


       والاضطهاد في إطار النزاعات المسلحة من أنجح الوسائل لضمان ثمار العدوان، كما أنه أشدها إلحاقاً للأذى بالسكان المدنيين، فهو هيمنة بربرية حتى ولو كان فعلاً هامشياً في تفاعله ودرجته.


       فنتائج جريمة الاضطهاد لا يمكن أبداً محو آثارها المدمرة، سواء كانت هذه الآثار ألماً شعورياً إنسانياً أو خسارة مادية للممتلكات ووصولاً إلى خسارة وافتقاد آلاف البشر بسبب الممارسات العنصرية القاتلة من إبادة وتدمير وقتل على الهوية.


       وقد واجه المجتمع الدولي هذه الممارسات بالعديد من الوثائق القانونية التي كانت آخرها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والذي كان الوثيقة القانونية الدولية التي تذكر صراحة إلى جانب سلسلة الجرائم ضد الإنسانية جريمة الاضطهاد.


       ولأن الاضطهاد العنصري سقوط بشري وجريمة حضارية لا تغتفر ولا يوجد أي مبرر أو مسوغ أو سند شرعي أو قانوني أو إنساني يمكن من خلاله تبرئة أي مرتكب لهذا الفعل الدنيء، ولأن أفراد الشعب العراقي في قمة قائمة المجاميع البشرية التي تعرضت وتتعرض للاضطهاد بكل أشكاله وصوره ولم يشهد للتاريخ مثيلاً له في نوع القسوة والتعذيب والقتل على الهوية الطائفية كان هذا الجهد المتواضع الذي يبين أنواعاً وأشكال وطرق الاضطهاد، ويناقش بالتحليل والمقارنة مفاهيم عدة له علاقة بواقعنا المعاصر.

تفاصيل المقالة